عدت في الشهرين الماضية لعادة سيئة، عانيت منها قبل عشر سنوات. وحين تخلصت منها في تلك الفترة فككتها وحللتها وعرفت سبب إدماني عليها. هي ليست بالشيء الخطير الذي يجب الوقوف عنده، لكن تأثيرها السيء عليّ يمتد لما هو أكثر من إضاعة الجهد والوقت والمال.

أفقد إحساسي بنفسي وبما هو حولي، أترك كل شيء، ولا أرى إلا هذا الأمر الذي ينقر على عقلي ويؤرّقه. تظهر من العدم حين أهرب من مواجهة أمر بداخلي، أو أداء عمل مهم ثقيل على روحي، أو حين يجد الخوف مدخل جديد لي.

أدمنت في الشهرين الماضية على لعبتين الكترونيتين! نعم أدمنتها إلى حد دفع الأموال عليها بلا حساب، خرج الأمر عن السيطرة الأسبوع الماضي حين أتممت 22 ساعة دون نوم في منتصف الأسبوع. بدأت باللعب بعد عودتي للمنزل الثالثة عصراً إلى الساعة 2 ليلاً، لم ترمش لي عين لم أشعر بالتعب أو النعاس ولم أشرب سوء الماء طوال الوقت، متجاهلة حقيقة عملي الذي ينتظرني في الثامنة صباحاً.

بقيت بالأمس مستلقية على السرير ولم أتحرك إلّا لأداء الصلاة ثم العودة إليه. يشغلني أمر واحد كل ما بدأت باللعب لدقيقتين يصيبني ضيق في قلبي فأتوقف. الأمر لا يتعلق باللعبة هذه أو غيرها، بل بحالة الهوس التي تصيبني حين أنغمس في شيء يشد انتباهي لأقصى حدّ، وأنسى كل ما حولي!

أذكر في عام 2014 كنت أدرس ترم صيفي في مرحلة البكالوريوس وكنت مادة صعبة للغاية رغبت أن أضمن الامتياز بها لأخفف عن نفسي حمل الفصل القادم. في ليلة اختبار المعمل النهائي، بدأت بقراءة رواية الجحيم لدان براون، وبقيت أقرأ بها من العاشرة صباحاً إلى السابعة مساءًا! لم أنم ولم ارتاح ولم أذاكر وعيناي مرهقة وتنتظرني مادة دسمة تدرّسها دكتورة لا تمزح! استيقظت الثانية صباحاً صنعت قهوتي وبدأت بالمذاكرة إلى أن حان وقت الامتحان الواحدة ظهراً. في اليوم التالي صدرت الدرجة بامتياز! فشعرت بالارتياح وتنفست الصعداء، لأنها كانت أول مرة أتهور بشيء يرتبط بمستقبلي.

فكرت حينها بالأمر وقلت لنفسي: ربما لأن موضوع الرواية عن انتشار مادة غريبة في ماء البوسفور، تسبب مرض للبشرية، ويحاولون منع انتشارها بكل الطرق. فهي على علاقة بما أدرسه من ميكروبات فكأنني كنت أعزز من معلوماتي وأراجعها أو أنّ هذه أعراض ضربة شمس صيفية بما أننا كنا بأغسطس. هكذا فسّرت الأمر لنفسي ولم أكرره مرة أخرى.

أدمنت بعدها على لعبة لودو وكنت من المليارديرين باللعبة وان شاء الله أصبح إحداهم في الواقع. إلى أن رأيت في منامي حلم تغلغلت به اللعبة وأفسدت راحتي، وصار الناس يمشون بالحلم على رقعة ملونة مماثلة لأرض لودو. استيقظت حينها أمسكت بهاتفي حذفت اللعبة وعدت للنوم ووعدت نفسي أن أتوقف عن اللعب.

تذكرت هذا الوعد بالأمس، وأنا أفكر لماذا؟ ممّا أهرب هذه المرة؟ لم أكتب أي كلمة منذ أخر تدوينة نشرتها، إلا كلمات تتعلق بتخصصي. لم أكتب منذ أشهر بمفكرتي. نعم عدت للمشي وبكثافة تحفز العقل على الصنع والابتكار والانتاج الفكري والإبداعي، لكن أعود بعد كل جولة مشي لألعب عوضاً عن الجلوس لكتابة كل فكرة انبثقت من رأسي.

حذفت كل الألعاب، رتبت مكتبي مشيت قليلاً وأنا أقرأ أذكار المساء ثمّ جلست لأكتب. لأن العقل يتأثر بما يراه فإن كان المكتب مزدحم بالأجهزة والكتب والدفاتر والأكواب والأسلاك لن يجد مساحة ذهنية فارغة ليشغلها بأي فكرة.

أنهيت بعض المهام المنزلية المتراكمة، رتبت قائمة مهامي الأسبوعين القادمة لأتلزم بها ولأرى أين سيضيع وقتي بعد أن حذفت كل الألعاب. والأهم أني سأمضي بقية اليوم إلى أن يحين موعد النوم، أمام الورقة والقلم لنكتشف ما الذي جدّ هذه المرة في داخلي. لربما يصبح لديّ فكرة فأفعل لأجلها المستحيل.


اكتشاف المزيد من عائشة على القمر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

ابقَ على اطّلاعٍ بآخر ما يُنشَر في مدونة عائشة على القمر.

اكتشاف المزيد من عائشة على القمر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على تنبيه بكل تدوينة جديدة فور نشرها على بريدك!

مواصلة القراءة