أعيش وأحيا.. هذا هو عنوان عامي الماضي والذي أخبرتكم على غير المعتاد أنه يصاحبني من يومه الأول. كان معي طوال الـ365 يوم الماضية، ولم أشعر بضرورة التفكير وكتابة ختامه إلّا في الساعات الأخيرة من يوم 29 لأني إلى هذا الحد عشت وحييت.
العيش والحياة.. هاتان الكلمتان معاً تمثّل العديد من المفاهيم، فالانضباط والالتزام والمسؤولية وصناعة الروتين اليومي هذه جميعها صلب معنى العيش. بينما الحياة هي اللمسات والتفاصيل الصغيرة التي تضعها خلال هذا الروتين ليزهر وينتعش ويحيا.
وأنا إنسانة لا أحب العيش وتكريس حياتي لهدف واحد، ولا أريد أن أحيا سبهللة دون أن يوجد ما يثريني أو يثريها. أملك قدر من الجدّية يعيّشني كما أريد وأرغب بالمسطرة والملليمتر، وأملك قدر من المرح والخفة بإمكانهما قلب نهاري ليل فأعيش اللحظات كلحظة منفصلة دون أن يسبقها ماضي أو أن يكون لها مستقبل! إن عشت سأقتل الطفلة التي بداخلي، وإن حييت ستعبث هذه الطفلة بعيشتي! فكان العام الماضي رحلة ترويض لشوشو الطفلة ولعائشة المرأة وكل النسخ التي بينهم، لأن الكل سيعيش ويحيا!

Madonna Lilies, Cookham, 1935
في كل يوم تسأم شوشو من الانضباط والالتزام بالرياضة تفسح عائشة بمساحة للرقص لأن الهدف هو حرق السعرات المحددة فإن زادت المدة أو السعرات المحروقة فهو خير. وحين تبدأ الساعة بالاهتزاز معلنة إغلاق كل الدوائر، تضجر المراهقة التي لم تشبع من أغاني ميكا سينغ راغبة بمزيد من الوقت مع هذه القائمة فتستمر الحفلة وقتاً أطول.
في كل يوم تنزق شوشو من أكل حصتها من الخضار تلجأ عائشة للخلاط وتحولها لسموذي أسهل للتناول دون تراخي في الحصص الغذائية، لأنهما وكل النسخ التي بينهما يعرفان جيّداً معنى (الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى).
في كل مرة تخاف وتتردد وتخجل شوشو تأخذ بيدها عائشة وفي كل مرة تخاف وتتردد وتخجل بها عائشة تأخذ بيدها شوشو، ومن حسن حظي أنهما لا تخافان أو تخجلان من نفس الأشياء. ووجدت في لحظات كثيرة أنّ هذا الخوف والتردد لم يكن لهما منذ بداية الأمر، فوضعته في أقرب سلة مهملات.
في كل يوم ترغب عائشة بإغلاق ملفات الوورد ومسودات الأوراق العلمية دون أن تكمل الجزء المراد إنهاءه إمّا للإرهاق، أو التعب أو الملل، تذكّرها شوشو بحلقة المسلسل المنتظرة في نهاية اليوم، أو وجبة العشاء الفاخرة في نهاية الأسبوع، أو موعد منتظر للالتقاء بصديق ترغب بالحديث معه لساعات دون أن يلح عليك أي واجب مهمل، ينغص عليك وقتك معه.
في كل مرة تريد شوشو صنع الاستثناءات تقف لها عائشة بالمرصاد.. هل هذا الأمر أو الشخص يستحق هذا الاستثناء؟ يستحق أن تجري هذه المكالمة لأجله؟ صرف هذا المال لأجله؟ صرف هذا الزمن لأجله؟ يستحق أن نؤجل موعد النوم لساعتين أو أن نستيقظ قبل بساعتين؟ هل هذه العين يكرم لأجلها ألف عين وتكرم لأجلها مدينة؟ نعم سأفعله ولا لن أفعله.
في كل مرة تريد عائشة البقاء في السرير أو الكنبة لتقرأ كتاب أو لمشاهدة مسلسل أو غيرها وترى شوشو أنّها أفرطت في البقاء بمنطقة الراحة تدفعها بمشوار أو فعالية من العدم وإن كانت يسيرة كالمشي في حديقة الحي.
في كل مرة تريد شوشو تأجيل موعد طبيب، تمسح عائشة على كتفها مذكرة لها بتكلفة الإهمال وضرورة مواجهة الألم. وفي كل مرة تريد عائشة إلغاء موعد البديكير أو المساج، تذكرها شوشو أنها تستحق الدلال والاهتمام والعناية من الداخل والخارج!
هذه الرقصة المتناغمة المتوازنة بين العيش والحياة هي ما كنت أسعى له طوال السنوات الماضية، وهي ما بدأت أرى بوادر نجاحه منذ بداية 2025 بعد أن منحت لكل جانب مني الوقت والمساحة ليظهر ويعبر عن ذاته. أستطيع أن أقول اليوم أني أعيش وأحيا وأنني اسعى لأعيش الحياة التي أريد أن أعيشها وأحياها، إلى أن أكون اسم على مسمّى. عائشة: الفتاة التي تعيش وتحيا عمراً طويلا عيشة رغيدة وهنية وراضية. هذا هو معناه لمن يجهله.
ليس بالضرورة مشاركة جوهر هذه الروح أو ما تعبّر به عن نفسك مع من حولك. لأن من يبهجه ويسعده ويأنس ببريقك سيراك وإن لم تسع للأمر. المهم هو ألا تظهر هذه الجوهرة لمن يلوثها ويخدشها ويعكّر صفوها، وأن تحسن حمايتها وصونها.
ثلاثة وثلاثين عام.. أنا اليوم في عمر الجنّة! وحين أرى المرآة لا أرى إلا شوشو التي تحيا بالفضول والدهشة والمرح والشجاعة والخفة في وجه وأعين وجسد عائشة اليوم… أما روحي فهي تحبهم كلهم.
اكتمل القمر ليلة مولدي، وكأنه يخبرني بسطوعه أن أكون مشرقة ومضيئة مثله، فهو بنوره هذا العام أراني بريقاً جديداً مميزاً بي، لم أعهده من قبل وهذه هدية مرضية من الكون أقبلها بكل حب وامتنان.




أضف تعليق