منذ أكثر من شهر وأنا أتجنب الكتابة. أتجنبها في المدونة، في مستندات الوورد المفتوحة وغير المكتملة والمتناثرة وسط المجلدات المختلفة، ومفكرات الجوال. لا رغبة لي في كتابة أي حرف لست مضطرة له، ولا رغبة لي في نطق أي كلمة.
ليست حبسة كتابية لأنني لا أؤمن بها، هي أشبه بحالة جمع للحطب؛ تنتظر أن يمتلئ المخزن فتبدأ بإشعال النار وأنت مطمئن أن لديك مؤونة تكفي لاستمرارها متقدة لفترة من الزمن.. فها أنا هنا بعد أن امتلئ المخزن.
وصلت السعة الاستيعابية لهذا المخزن 80% حين استيقظت منذ عدة أيام على رسالة إيميل تشير بتعليق جديد على المدونة، لكنه لم يكن مجرد تعليق، بل كلمات أنعشت روحي قبل أن تعيد لي الرغبة بالكتابة والحديث والثرثرة! هذا التعليق كان على تدوينة أحِب المشي معِك التي كتبتها في عيد ميلادي الماضي بكل حب.
لا تعلم نسق إلى أي حد أسعدني ما كتبته، وأحب هذا النوع من القرّاء الأذكياء الذين يرون ما تخفيه الأسطر وأحتفي بهم وبندرتهم في زمن التعفن الدماغي، وبكرمهم في كلماتهم الناقدة والمحللة التي أجلستني على مكتبي الجديد اليوم لأكتب بعد أسبوع واحد من تركيبه! أنشر في هذه المدونة منذ سبع سنوات ولأول مرة أراكِ يا نسق، لا أعلم هل أنتِ غائبة عادت من جديد؟ أو قارئة قررت أن تظهر في هذا الوقت لتذكرني أنني لست بالمشي فقط اتصل بنفسي، بل بالكتابة أيضاً! فشكراً لكِ.
كنت أنظر إلى غرفتي وأنا أفكر كيف أكسر من طابع الخشب الذي ملأتها به دون أن أشعر! هل انتظاري لإشارة امتلاء المخزن أثّرت بي إلى هذا الحدّ وامتد الاحتطاب لكل ما يحيط بي؟ أم هل هي رغبتي الدفينة بأن أكون شجرة خشبية معمّرة، فوجدت فروع وجذور السنديان بداخلي أماكن جديدة لتظهر منها وتذكرني بها؟ المؤكد أنني بالأمس قررت أن أتوقف عن جمع الحطب وأشعل النار وأكتب، لكن منعني النعاس والتعب بعد عودتي للمنزل فتأجلت لليوم التالي.

أنهيت قبل أن أبدأ بالكتابة مشاهدة مسلسل أمريكي يتحدث عن شخصية الكاتبة في مسلسل الجنس والمدينة، وهكذا ببساطة (كاري برادشو) أثناء المراهقة، اسمه مذكرات كاري. لا أعلم كيف فلت من يدي أقصد قائمة مشاهدتي هذا المسلسل إلى هذا الوقت! أحداثه تدور في الثمانينات الميلادية وأشاهده لأفهم كيف تحولت هذه الطفلة والمراهقة البريئة المضيئة المحبة للجمال والموضة. لامرأة مهزوزة الشخصية، جبانة نزقة ومتعلقة غير ناضجة ومثيرة للشفقة. حتى بعد أن تجاوزت الخمسين من عمرها، تكرر أخطائها بسذاجة وغباء منقطع النظير. ورغم براعتها في الكتابة والتحليل إلا أنها تقول ما لا تفعل، لا تتعظ بغيرها، مدمنة على الكحول والألم وتعتبره مادتها المحفزة للكتابة!
في إحدى حلقات مذكرات كاري ذات الست عشرة عام، تلتقي بسيدة كانت تعرف أمها التي توفيت بالسرطان، فتخبرها أنها كانت تحب التغيير ودائماً تفعل ما هو مناسب لعائلتها حتى وإن استصعبت القرار، وانها تشبهها. فولعت اللمبة! هذه المراهقة كبحت نمو الطفلة بداخلها وبدأت بتقمص شخصية والدتها بعد وفاتها لا إرادياً لتعوّض غيابها بدل أن تعيش حزنها وتتقبله. ولم تحسب حساب ظهور هذه الطفلة المتطلبة المجروحة في كل علاقاتها إلى أن ترمّلت في منتصف الخمسين! جروح الفقد والهجر، وغياب الأم، رغم علاقتها الجيدة بوالدها لم تمنعها من سوء اختيار شركائها، بل أنها هربت من الرجل المناسب لها والذي جذّر بها شعور الأمان والاستقرار والحب لأنها اعتادت على القلق والترقب والتردد والانتظار.
كاري لم تحب نفسها، ولم تحتويها واستمرت في الهرب من مواجهة مشاعر الألم والحزن الثقيلة منذ مراهقتها إلى أن أجبرتها الحياة بعد عقود على تغيير جلدها واختيار نفسها. لأنه لا زال في الحياة متسع، والأرض تدور كل يوم وإن كنا لا نشعر بدورانها. لكن إلا الحماقة أعيت من يداويها يا كاري، يكفي هذا القدر من التفكير والتحليل والربط والكتابة للمسلسل الذي قضيت الإجازة في متابعته.
افتتحت مكتبي الجديد بالكتابة تحت تأثير رائحة الفل والياسمين الهندي التي تملئ غرفتي. وهذه روائح منعشة أحبها وأود أن أستيقظ عليها كل يوم خاصة حين تحل مكان الحبر الذي يلطخ أصابعي، فهي تجعلني أحلق في مكان آخر.. في المكان الذي استقرت نفسي به العام الماضي بعد مشيٍ طويل وسط كل ذلك الورد الأبيض العطريّ النفّاذ.
أجهّز النص للنشر بعد أن قمت بقص شعري، سأقصه أكثر في الشهر القادم كعادتي في افتتاح كل موسم، لكن هذه القصة روحي أرادتها وطلبتها، بل أنني شعرت حين انتهيت أنّ رأسي يتنفس وكأني أزلت مع أطرافه الميتة المتساقطة في الأرض ما يثقلها. والمصادفة الأجمل أني قصصته وأنا أشاهد حلقة أوراق سرية من مسلسل الفصول الأربعة. والتي تكتب بها نارة طوال الحلقة رسالة لوالدتها، وكأن كل ما يحيط بي يدفعني للجلوس على المكتب وقتاً أطول أمام الورق وبيدي القلم لأكتب، مثل كاري ونارة.. إلى أن ينفد كل الحطب.


أضف تعليق