
بعد انغماس طويل في قراءة الكتب المترجمة، اشتقت لقراءة نصوص كُتبت باللغة العربية كلغة أصليّة وهي ما سأركز عليه في الفترة القادمة. لذلك أظن أني آخر من قرأ رواية (القبيلة التي تضحك ليلاً) وهي من تأليف الكاتب السعودي سالم الصقور، نشر دار مسكلياني وتقع في 136 صفحة.
الرواية تتحدث عن موضوع هام للغاية ومسكوت عنه، ألا وهو الضغط المجتمعي على الزوجين للإنجاب، واعتبار الرجل أو المرأة التي لم تنجب سواء باختيارهم أو لعدم قدرتهم على الإنجاب بأنهم أشخاص ناقصين لا قيمة لهم، بينما هو رزق من الله يؤتيه من يشاء ويجعل من يشاء عقيماً.
هي حكاية عن الزوجين علي وأروى، المتزوجان لأكثر من خمسة عشر عام وتغوص في سعيهم ومحاولاتهم الحثيثة للإنجاب. التي تتكلل بالنجاح بعد عملية تلقيح صناعي، على أثرها تلد أروى طفلتها في الشهر الثامن من الحمل. زارا خلال هذه الأعوام الكثير من الأطباء والمعالجين الشعبيين والمشعوذين وسماع نصائح المقربين والغرباء والمجانين وكل من هبّ ودبّ لأجل أن يولد هذا الطفل الذي سيضفي على حياتهم الهنا والسعادة والضحك.
لكن هل كل من ينجب يستطيع تحمّل مسؤولية تربية وتنشئة أفراد فاعلين ومؤثرين ونافعين بحياتهم لأنفسهم ولمن حولهم ولمجتمعهم؟ أم هو عبارة عن كشط لمهمة يجب أن يقوم بها الفرد ليشعر أنه ساهم في زيادة البشر على هذه البسيطة، دون أن يفكّر بمصائرهم؟ هل يرغبون فعلاً بالأمومة والأبوّة؟ أم هي مجرّد إثبات لأنوثة وخصوبة المرأة، ولرجولة الرجل؟ هل سيرضون بأقدار الله إن أنجبوا ذكورا فقط أو إناثاً فقط أو سيرضون بما كتب لهم حتى إن لم ينجبوا؟ أعتقد أن قلة من يقف أمام هذه الأسئلة ليفكر بها.
لغة الرواية مثرية وغنية للغاية، الكتابة مكثفة وواضحة، ذكية وساخرة ومضحكة ومؤلمة، دون حشو أو تفاصيل زائدة تضيّع على القارئ تسلسل الأحداث. تختلط بالعاميّة في بعض حواراتها بشكل مفهوم ينساب مع مجريات وأحداث الرواية وشخصياتها.
أنهيتها بجلسة واحدة، وشعرت بالغبار وحرارة الشمس تلفح وجهي، من شباك السيارة مع علي أثناء انتقاله من نجران إلى الرياض باحثاً عن الإبرة التي ستنقذ حياة ابنته. تآزر القبيلة وأفرادها ونجدتهم لإنقاذ هذا الطفل، وحديث عن هذا التلاحم القبلي الذي يتطلب أن تكون فرداً مطيعاً لا ثائراً أو متفرّدا لتنتفع منه. هواجيسه المستمرة بالطريق، القصص التي يتذكرها والاتصالات التي تقطع عليه خلوته مع أفكاره، الاسم الذي حلم طويلاً في تسمية ابنته به، وسماعه في ذهنه بكل مكان حتى من حارس المدرسة أثناء الانصراف، الاسم الذي لن نعرفه إلا في أخر سطر. لم تعجبني النهاية رغم اني توقعتها ورأيتها من الصفحات الأولى، وأظن أنّ هذه الحكاية ستبقى حيّة معي طويلاً.
كنت أود لو سمعت صوت زوجته أروى وهي تتحدث عن معاناتها مع الإنجاب، أو مشاركته في حمل هذا الهمّ معها. حقن التنشيط واضطراب الهرمونات، والتلقيح الصناعي، نظرات الأمهات لها وحماية أطفالهن وإخفائهم عن أعينها المحبة الحاضنة الدافئة، لا الحاسدة الناقمة كما يعتقدن، محاولات النساء من حول زوجها في تزويجه من أخرى وكأن السبب الوحيد لحياتها هو أن تصير أم والداعي الوحيد للزواج هو الإنجاب. لا الرفقة والصحبة وشراكة الحياة وتكوين عائلة مع الشخص المناسب والملائم أو ربما يكون الإنجاب هو سبب الزواج لدى أكثر من يتزوج لا أعلم حقا!
أظن لو تجرّأت واستطاعت سيدة ما أن تغوص في قصّ هذه المعاناة وهي متماسكة، لن تسمح لأي رجل أو أي انسان أن يعامل جسدها كـ(فقاصة) لأجل أمر لم يكتبه وييسره الله لهم. وبهذه المناسبة أرجو من كل امرأة تقرأ هذه المدونة أن تشاهد هذه الحلقة مع د.سمر البازي وأن تدعم النساء اللواتي يحاولن الإنجاب أو اخترن عدم الإنجاب.. حتى وإن كان هذا الدعم بالصمت وعدم السؤال واحترام قرارهم وتجربتهم.
الرواية رائعة، استمتعت بها كفكرة ولغة وكتابة. مؤلمة نعم لكن هي هذه الحياة مليئة بالنعم المعتادة التي لا ترى ولا يشكر الله عليها، إلى أن يأتي من ينكأ جرح الصامتين الصابرين من النساء والرجال، وليذكّر من حولهم بفضل الله الذي يؤتيه من يشاء من عباده. هنا لقاء جميل مع مؤلف الرواية الأستاذ سالم الصقور لا يغني بالطبع عن قراءتها لكن أوصي بسماعه بعد قراءة الرواية لأن الإبداع في هذا النص يستحق الكثير وتقييمي لها 5\5.



أضف تعليق