التصنيفات
غير مصنف

Lion

فارق العمر بيني وبين شقيقي أخر العنقود ستة عشر عام وعشرة أشهر، كان بإمكاني أن أقول يقارب سبعة عشر عام لكنِّ لا أحب هذا الرقم وأودّ أن أكتب هذه التدوينة بطريقته في حساب التاريخ والوقت وكذلك طريقته بالحديث.

أكتب هذه الأسطر وهو يقول: الساعة الآن تسعة وتسعة 9:09 مميز الرقم، وسيفعل هذا مع كل ساعة، يبتسم عند ١١:١١ بشكل غريب.. وينتظر الدقيقة الأخيرة قبل أن يبدأ اليوم الجديد حتى يرى الساعة والتاريخ يتغيران!

يسألني باستمرار ماذا كنت تفعلين حين كان عمرك ثلاثة سنوات، أربعة سنوات أو يغيّر صيغة السؤال ويسأل ماذا كنتِ تفعلين عام 1999 أو ما هو عامك المفضل؟ يسأل عن ذكرياتنا ويحاول أن يُقحم نفسه بها، لا يستطيع تخيل أننا كنا أطفال فهو وعى على وجودنا حوله ونحن على مشارف العشرين ولا يستطيع أن يكوّن ذاكرة عن مواقف عشناها ولم يشهدها، يجاملنا ويضحك إذا تذكرنا طفولتنا ثم يتحسر لأنه لا يتذكر أي شيء منها ويتحسر أكثر لأنه لم يكن موجود.

أفتح ألبومات الصور باستمرار معه وأشاركه بعض المواقف والحكايات، هذه صورتي يوم العيد وهذه في أول يوم بالمدرسة، وهذه صورتي بعد أن نزعت الجبس عن ساقي؛ أنظر إلى أصابع قدمي مفتوحة ومتباعدة تشبهني حين أنزع فستان ضيّق.. إنها تتنفس إنها سعيدة بالتعرف على الهواء مجدداً فيضحك على الحكاية وعلى التشبيه، ثم يسألني: انكسرت رجلك لأنك كنتِ شقية؟ لأجيبه: لا، انكسرت لأني راعية فزعة.

يُمعن النظر في الصور طويلاً، ثم ينظر إليّ مطوّلاً يحاول أن يتتبع ملامح الطفلة التي بالصور بالمرأة التي أمامه. يطلب مني تكرار الحكايات عليه، يسرح بفكره محاولاً تصوّر كل ما أخبره به وبعد مدة يأتي ويقول لي تتذكرين لما انكسرت رجلك وكأنه عاش الموقف معي. أجد المحبة في تصرفاته هذه وكأنه يقول لي لا أريد عائشة التي أمامي .. أريد أن أعرفك أكثر.

يأخذ بعض الصور ويريها لأبي ويقص عليه الحكايات وكأنه شهدها ويبتسم له أبي ويتركه يحكي له كما لو أنه يسمع منه هذه الحكايات لأول مرة.

جاء أبي وشكرني لأني شاركت العديد من الذكريات معه وقال: “كنت أحسب إني كبرت ونسيت .. لما شفت الصور وسمعت منه تذكرت أحلى أيام عمري وكأنها أمس .. فاكرة يا شوشو لما لفينا الأسواق وعمرك خمس سنوات ندور لك جزمة حمراء لفستان العيد، كنت أقولك ما تمشي جزمة بيضاء، كحلي؟ وتقولين لا لازم نفس لون الورد اللي بالفستان .. من فرحتي حسيت العيد جاء لما لقيت جزمة حمراء تعجبك وعلى مقاسك واشتريتها لك”. لأخبره أني أذكر ذلك الحذاء ذو اللون الأحمر الهادئ بجلد مطفي وتصميم ناعم ومريح في اللبس ولا أذكر قصة شراءه بقدر ما أذكر أني كنت أحبه وسعيدة به، ابتسم لأني أتذكر تفاصيل الحذاء كأنه أمامي .. وكأني بهذه الطريقة أؤكد له أن تعبه لإيجاد ذلك الحذاء لم يذهب سُدى. كبُرت نعم لكن لم ولن أكبر على حب الأحذية أبداً.

أُحب أنّ كل اللحظات التي جلست فيها مع شقيقي وشاركته ذكرياتي عادت لي بشكلٍ لم أتوقعه، بفضل ثرثرته التي لا تنتهي أخبرني أبي العديد من الحكايات التي لا أتذكرها عنّي مثل حكاية حذاء فستان العيد وحكاية استديو التصوير. وأخبرني العديد من الأسرار التي طلب مني ألا أشاركها مع أخوتي مثل: كوني الوحيدة التي لا ينسى عيد ميلادها، والوحيدة التي تشبه والدته وتذكره بها.. آسفة أنا لست آسفة.

منذ أسبوع وهو يحدّث العد التنازلي ليوم ميلاده، يتفقد كل طرود الشحنات التي تصل للمنزل، يفتحها يفتش عن هديته ويعيد إلصاقها مجدداً بسأمِ شخص لم يجد ما يبحث عنه. يحاول أن يسحب مني الكلام ليعرف ماذا اشتريت له يقول: تبقى على العشرين من أبريل سبعة أيام .. تبقى خمسة أيام ويصبح عمري ١٢ امممم وبعد أن أصابه الملل سأل: ايش جهزتي لي مفاجأة؟ حسناً مفاجئتي لك هي عودتي للمنزل مبكراً وأحضرت لك معي كوكيز لذيذ هذه مفاجأتين جميلة للغاية صحيح؟! فأخذ علبة المناديل ورماها علي.

ذاكرته قويّة وتصيبني بالفزع، ينتبه ويتذكر أدق التفاصيل، يركز على الشكل والعين والنبرة.. يستطيع تقمص حالتك الشعورية كما هي، ويبصرك كما أنت.. لطيف وحنون جداً وسهل الإرضاء إلى حدّ أنه بعد ما رمى علبة المناديل غنيت له: Happy birthday وقال مبتسماً بسعادة: هذه الهدية تكفيني.. شكراً.

أكره حقيقة أنه هو كذلك أصيب بهذه اللعنة، لعنة الذاكرة الفولاذية التي تجعله يعيش أي موقف مرات عديدة بعد أن ينتهي، لعنة الطبعات الشعورية التي تبقى على الذاكرة وتزيد من صعوبة التجاوز والنسيان. استطعت أن أتغلب عليها بعد عقدين ونصف فلم أعد احتفظ بأي شيء مزعج بها أكنسها وأنظفها باستمرار، كلَّ ما أرجوه هو ألا تتعرض ذاكرته لأيّ موقف مزعج يعلق بها يبدو الأمر مستحيلا لكن هذا ما أرجوه.

إضافة لهدية اشتريتها له، هذه هي هديتي الحقيقية له. لن يكتب عنه ويصفه أحد كما فعلت، لن يقرأها الآن وإذا قرأها لن يفهم قيمتها لكنّه سيفعل مستقبلاً. ناداني قبل قليل: تجي تحتفلين معاي؟ طبعاً أكيد جاية ♥️.

♥️🦁 Happy birthday my Lion

4 replies on “Lion”

لطيفة جدًا جدًا 🙂
أنا وأخي الأصغر نبتعد بفارق عمري ليس بالقليل عن إخوتنا الكبار، لذلك فعلًا أعرف شعور الحزن لأنك لم تكن موجودًا لمشاركتهم كل تلك الذكريات.
قصة أبيك عن الحذاء الأحمر دافئة ❤

حفظ الله ودّكما وحفظ لك عائلتك وكل من تحبين🌼

Liked by 1 person

أهلاً بك نوار .. سُعدت جداً بوجودك وبقراءتك للتدوينة وأنها لامست فيك شعور حقيقي. شكرا لكِ اللهم آمين .. وحفظ الله لكِ عائلتك وكل من تحبين ♥️

Liked by 1 person

رد

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s