اعتدت أن أعيش فترات من السبات الشتوي في نهاية كل عام منذ عرفت نفسي، إلا أني فقدت رفاهية عيش هذه اللحظات المقدسة والخاصّة منذ ديسمبر 2022. هذا السبات يكون من روتينه نوم متصل لعدة أيام في أخر أسبوعين من ديسمبر، أفقد من خلاله شعور التمييز بالوقت والزمن واليوم، فلا أعرفها إلا من خلال التقويم. عشتها هذا العام مبكراً، لمدة ثلاثة أيام امتدت من 20 نوفمبر إلى فجر 23 نوفمبر.
استفقت من سباتي بعد حُلمٍ غريب.. لأجله قررت أن أسمي تدوينة ختام العام بيقظة شتوية قبل أن أكتب أي حرف منها! عشت في الحلم بنسخ متعددة من نفسي، كل نسخة موجودة في مكانٍ مختلف، وأغيّر بنقرة من خلال الساعة على معصمي رقم النسخة التي أتواجد من خلالها فأنتقل لأخرى. مع تجميد كل النسخ في مكانها، وأحضر فقط في نسخة واحدة باللحظة الحالية لأعيشها. فحتى بالحلم إذا تعددت نسخك، لن تتمكّن من التواجد بأكملك وكلّك إلا في نسخةٍ واحدة ومكانٍ واحد! أعرف ماذا يعنيه هذا الحلم، وأعرف تماما لماذا رأيته وما رسالته لي، وأعرف كذلك لماذا كان خالد تاجا وصوته والجملة التي قالها لي جزءًا منه.
وبمناسبة اقتحام خالد تاجا لحلمي؛ أود أن أقول أنني لن أستطيع نسيان هذا الرجل ما حييت لأسبابٍ كثيرة. لأنه متقن لعمله، ولطالما أمتعني وأدهشني بأدواره الرائعة الخالدة، لنبرة صوته الجهورية القوية الحادة، لشخصيته الشجاعة الجسورة الصادقة وخفة دمه وذكاءه، ولأنه يشبه لأحد أقربائي والذي يصدف أنهما من نفس الجيل. ولأني في كل مرة أمرّ بجانب حيّ السبع المساجد وما يجاورها من أحياء في المدينة المنورة أو ما يعرف لدى أهل المدينة (بأرض الكردي) أتذكره!

هذه اليقظة الشتوية لا تقتصر على النوم فحسب، بل بعملية جرد وتخفف فعليّة ماديّة ومعنويّة. تبدأ من أرفف الدواليب ومستحضرات التجميل والأدوية وكل ما يطلق عليه (ربما سأحتاجه يوماً ما!). وتشمل كذلك جرد الكتروني لألبوم الصور والإيميل، رغم أني أقوم بتنظيف إلكتروني شهرياً لكن تتراكم النفايات بهاتفي بشكل ما. تنتهي هذه الرحلة بمراجعة العام وتقييمه وفق نظام خاص بي، أي أنها لا تتبع أي قانون أو كتاب، بل وفقاً لنقاط وأهداف شخصية تتغير كل عام، أو كل فترة إن كانت أهداف تتطلب زمناً طويلاً، يتحدد على إثرها شعوري بالرضا الذاتي عن نفسي.
الذي يحدد هذا الرضا هو نجاحي بكسر نمطٍ ما، مواجهة خوفٍ ما، تجربة وتعلّم شيء جديد، فعلي لكل ما هو بوسعي تجاه أي أمر وإن لم يحصل؛ مما يزيل عنّي أي شعور بالتقصير أو الندم. تحقيق أحلام قديمة اختبأت تحت غطاء الزمن، وإن كنت حلمت بها طفلة، وحان وقت تحقيقها هذا العام أو العام المقبل أو غيره. ما الذي يمنعني من تحقيقه لها إن أتيحت الفرصة الآن؟ لا شيء. هل نجحتِ بصنع الفرح والسعادة للطفلة التي لم تكبر بداخلي؟ ولعائشة التي نست ذلك الحلم؟ وفقدت أملها من ذاك؟ نعم فعلت.
هذه السنة لم أكتب كثيراً! رغم أن الوورد بريس يقول لي أنني كتبت ونشرت خلال عام 2025 ما يقارب الواحد والعشرين ألف كلمة! لن أعد عدد الكلمات التي في ملفاتي ومذكراتي وأوراقي المنتشرة يمنة ويسرة، ولن أعد عدد الكلمات التي امتلأت بها ملاحظات هاتفي والتي قمت بمحو الكثير والكثير منها. والأهم أني لن أعد عدد الكلمات التي تطوف داخل رأسي أو فوقه أو تدخل من أذن وتخرج من الأخرى. ومع هذا لا زلت أشعر بالامتلاء! والجميل في كل هذا أنني حددت الآبار والأواني التي سأملئها بكلماتي. قبل أكثر من عشر سنوات سألتني إحدى صديقاتي عبر أحد تطبيقات الأسئلة ماذا يعني لكِ العناق؟ فأجبتها: جرس يحارب النسيان! اليوم أستطيع أن استخدم نفس الجملة كإجابة على سؤال: ماذا تعني لك الكتابة؟ جرس يحارب النسيان. لأنه في هذا العام استقبلت الحروف والكلمات وشعرت بها تعانقني بحب وانتظار.. وبالأجراس والأصوات يتذكر الإنسان.

وضعت أهدافي للعام الجديد، والتي سيكون جزء منها ممتد كخطوط عريضة لخمس أعوام قادمة. ولأول مرة في حياتي أرتكب هذه الحماقة.. أن أعرف ما سأكون وماذا فعلت بعد خمس أعوام! وأظن السبب يعود لإغلاقي جميع الدفاتر والمجلدات المفتوحة. كنت قد كتبت في تدوينة عيد ميلادي الثلاثين أنني أغلقت المجلد الأول من حياتي وفتحت المجلد الجديد بحلول هذا العمر.. والحقيقة أنه سيغلق تماماً مع حلول شهر مارس القادم! فعلت وحققت كل ما رغبت به نفسي من أمنيات، منسيّة وقديمة ومؤجلة، طارئة وعاجلة وغير عاجلة، مهمة وعاديّة وسخيفة. والمحفز الأول لإتمامها كان: “إن لم تكوني وفيّة تجاه وعودك لنفسك، فماذا يعني وفائك لوعودك تجاه الآخرين؟ لا شيء.. مجرّد نفاق مختبئ لا يعلم أحد عنه إلّا أنتِ.. وهذه ليست أنتِ.”
رأسي ممتلئ بالكثير من الأفكار، ويومي مليء بالفراغ اللذيذ الذي أعرف تماماً كيف سأشغله لتكون هذه الخمس الأعوام القادمة كما آمل وأرجو. حدّة ما عشته من ألم خلال المرض، جعلني إنسانة لا تتهاون في التخلص من كل ما يزيدها ألماً أو مرضاً، وأن أسعى بكل ما وسعي لأعيش الحياة بملئها.. رغم أني لم أكن متهاونة بالأمر، لكن وجدني الهراء من حيث لا احتسب!

(هارمون نورثروب مورس) هو اسم الرجل الذي صنع الباراسيتامول الشائع باسم البنادول. لأول مرة أعرف هذا العام أن المسكنات لا تسكن الألآم العضوية فحسب؛ بل كذلك النفسية! فحين تعاني من مرض مؤلم لمدة طويلة، يعتاد جسدك وعضلاتك على الألم والوهن والتعب. ومهما فعلت من تمارين لتقوى، يبقى شيء من الألم مخزن في ذاكرة خلايا الجسد حتى وإن كنت لا تشعر بألم عضوي! الكثير من العضلات تخزن بداخلها الصدمات وتوجّه الجسد لاتخاذ ردود فعل استجابية حتى بعد زوال المؤثر. فهي لا تخزن السموم وحمض اللاكتيك فحسب.. سأتحدث معكم كثيراً العام القادم عن ضرورة وأهمية الإنصات للجسد وعن أشياء أخرى مدهشة.
هذا الألم الذي تفاقم وكان مختبئاً تحت السجّاد.. تحت مرأى عينيّ، إلا أني لم أتوقعه بهذه الكثافة. وبمناسبة الحديث عن السجّاد، أحب مشاهدة مقاطع تنظيفه تكراراً ومراراً دون أن أشعر بالملل، تشعرني بالراحة والهدوء والاسترخاء! ومن هذه الرحلة الطويلة تعلّمت الكثير والمثير عن نفسي أولاً، وعن الحياة والإنسان.

أعدت ضبط بوصلتي، كنت أعمل من 2019-2024 على سلم المبادئ والقيم الخاص بي، ليس في تحديدها أو معرفتها، بل بتطبيقها وعيشها ومعرفة الأنسب لي منها، تحدثت عن الأمر هنا. وفي العامين الماضيين كانت صحتي هي الأولوية لدي، مرغمة في 2024 وبحب في 2025. فعملت عليها كثيراً سواء في العلاج، الحركة، النوم، الغذاء، وما أتلقاه من تغذية بصرية وسمعية ومقروءة، ثم العودة التدريجية للمشي والرياضة اللذان كنت حريصة أشدّ الحرص بهما على مقدار قوة جسدي وبحسب ما يحتمل من مجهود.
ما أعنيه بإعادة ضبط البوصلة، هو أني طوال حياتي كنت أفعل شيء خاطئ في نظامي مهما اختلف، ويكون له تأثير مدمّر عليّ. مرة يكون السهر، ومرة سوء النظام الغذائي، ومرة إيثار الآخرين علي، ومرة الخوف من المستقبل، ومرة الإجهاد، ومرة الإفراط في تحمّل المسؤوليات والكثير من المرّات. بالأخير نجحت بالإمساك بياقة السبب الذي يدفعني في كل مرة للولادة من الركام. وأن تملك هذه القوة على إعادة بناءك هو شيء عظيم وأن تدركها في نفسك شيء أعظم. وإدراك حقيقتها الحارقة والآكلة لطاقة الحياة في روحك وجسدك ونفسك والتحكّم بها، معجزة.
لم أكن يوماً من الشطّار الذين لا يتعلمون إلّا بالتكرار، لأني لطالما كنت (البنت) السابقة لعمرها التي تلتقطها وهي (طايرة). المؤمنة دائماً بأنّ اللبيب بالإشارة يفهم، وأن السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه، وامشي عدل يحتار عدوّك فيك. فما فعلته هو أني غصت بنفسي، واستغرقت وقت لا بأس فيه بكل مرحلة أو فترة أو عام لأحدد مكامن القوّة والضعف، فوجدت أني كنت أتعامل مع نقاط قوتي كأعمدة الأساس أما نقاط ضعفي كانت مثل السقف. فكنت في كل مرة أزيل السقف وأرفع الأعمدة، فيأتي سقف أخر فأطيّره وأرفع الأعمدة وهكذا دواليك. الذي تغير في هذه المرة أني وضعت سقفاً من زجاج مدعّم أستطيع رؤية السماء منه غير قابل بحول الله للاختراق، وإن تلوّث أو تعكّر أو حطّ عليه أي شيء يقلل من وضوح رؤيتي لنفسي (سأقشعه) بخفة بطرف أظفري دون أن ألمس سقفي. أعرف تماماً ما يمكن تغييره وتحريكه، وأعرف الثوابت التي لا يمكن الاقتراب منها والعبث بها، ونقشت على السقف بالخط العريض (لا مكان للهراء في حياتي) ولا زالت السماء هي حدودي.

أشعر بالرضا هذا العام عن نفسي، لأني نجحت بجمع الكثير من الانتصارات الصغيرة والمنسيّة والمؤجلة، التي ملأت حيّزاً في روحي. وكانت مثل شربة الماء الباردة وروت ظمأ كل نسخة من نسخي. راضية بصحبتي لنفسي والمشي معها طويلاً وكثيراً، ولكل الأحاديث والأفكار التي رافقتني في كل تلك الخطوات.
لطالما أخبرني والديّ أني رضيّة ومرضيّة، وهذه المرّة أنا كذلك راضية عنّي. لطالما كنت مفعمة بنوع خاص من الهدوء الذي يحيط بي، هدوء مطمئن.. حيّ ومتقد رغم كل السكون، يشع بالأمن والثقة وإن عصف. هذا الهدوء العالي الممتد الذي يسندني.. ويحييني ويشعلني ويغيثني، لم أكن أعرف أنّ اضطرابه يغيّر كذلك موج من حوله.
تقول الأغنية الشهيرة Hiç ışık yok (لا يوجد ضوء): “أدرك أنه لا يوجد ضوء.. أيقظيني اليوم.. أفيقيني اليوم”. رغم أن كلماتها تتحدث عن البحث عن الضوء في آخر النفق، ويوجه حديثه فيها للمرأة لتوقظه مما هو فيه. إلا أني سمعتها هذا العام بأذانٍ مختلفة، وكأني أدرك أن هذه الحياة لا تتطلب منك إلّا أن تكون متيقظاً بكل حواسك لتشعر بها تتدفق في عروقك.
لهذه الحياة، المفعمة الحيّة، متجددة المواسم.. والتي ربيعها يبهج عينيّ ويثير حساسية أنفي، وصيفها الذي يتسبب في نتحي المستمر رغم شمسه التي تريح جسدي، وخريفه الذي يشعل حواسي رغم الإنهاك، وشتاءه الذي يوقظني ببرودته وإن لم يطل نومي. لهذه الحياة الجميلة دائماً والقبيحة أحياناً.. بهدوئكِ وترنحكِ، بعلوّكٍ وقاعكٍ، باخضراركِ وشحوبكِ.. وكل ما فيك. سأعيشكِ وأحيا بكِ ودائماً سأُحب المشي معِك.
كل عام وأنتم بخير..
Happy New Year!!



اترك رداً على وفيقة إلغاء الرد