من الطرق التي أفعلها كمحاولة للتكيف على كل مكان أو بيئة جديدة عليّ هي الإنصات. أنصت وأصغي للصوت وللفراغ وما خلفه من معنى ليس لهدف الحذر بل لأجل الفهم، سماع المسكوت عنه، التأقلم والاعتياد.
اليوم هو يومي العاشر في منزلي الجديد .. وأحاول أن أفهم الجمادات من حولي قبل فهم البشر اللذين أصادفهم على الدرج أو في المصعد أو في الممرات.
الفتاة التي تسكن في الشقة العلوية لشقتي ليلية الطباع.. يبدأ نشاطها منذ السادسة مساءاً تهدأ في الواحدة صباحاً فيمكنني بعد استلقاء ساعتين أن أنام بعمق قبل أن تعود لروتين الإزعاج في الصباح الباكر. في منتصف الأسبوع الماضي وكمحاولة منها للتأقلم كانت تنقل الكومودينة أقصد تسحبها سحباً على السيراميك، على الرغم أنّها تبدو خفيفة ويمكن حملها وتغيير مكانها بسهولة.. فهي صغيرة على كل الإزعاج الذي يسببه سحبها. لا أحتاج أن أرى الفتاة لأتأكد أنها حتى في مشيها تسحب قدميها على الأرض سحباً ولا ترفعهما.
الفتاة التي تعيش في الشقة السفلية من شقتي.. لديها قطة مدللة تموء في الشباك طوال الوقت لا أعلم هل تلعب أو تستنجد؟! أرتدي سماعتي وأرفع الصوت لاتجاهلها .. لا أحتاج مصدراً آخر للتشتت.
اعتدت أن أتحرّك بخفة .. خفّة شديدة جداً بدون همس أو صوت لدرجة أنّه لا يمكنك ملاحظتي إذا دخلت أو خرجت من المكان، لأنه لا داعي للحديث إذا لم يكن لديّ شي أقوله ولا احتاج إلى صنع جلبة لأقول أنني موجودة بالمكان! يشاركني بعض أفراد عائلتي هذه الصفة فاعتدنا على شحذ حوّاسنا دون أي جهد حقيقي. أعاني من إفزاع من حولي بكل مكان جديد أتواجد به.. أفزعت ثلاثة أشخاص في أول أسبوع فقط لأنه لا حسّ لي أثناء الحركة، منهم رفيقة السكن التي قفزت مرتين في أقل من 24 ساعة بسببي! وأنا كذلك قفزت في أول يوم لها في الشقة بعد أن استيقظت على رائحة حمص التوست وجريت للمطبخ بعينين مغلقة معتقدةً أني لم أغلق النار بالأمس، رفعت يدها بالهواء لتطمئني: أنا كنت استخدم البوتغاز.. لا تخافي قفلته. فقلت: لا .. أنا نسيت إنك موجودة أصلاً!
أحاول أن أحدد الوقت التقريبي الذي يحتاجه الماء الذي استخدمه في إعداد القهوة كل صباح ليغلي على نار هادئة، في الوقت الذي أغسل فيه وجهي وأصلي واستوعب أني على قيد الحياة.. تسعة إلى عشر دقائق تزيد كلما زادت كمية الماء عن منتصف الإبريق.. لذلك لن أملأه.
نسيت كيف أضبط نفسي على مود المذاكرة، أتنقل ما بين الكتب ومقاطع اليوتيوب والأوراق العلمية وبعض الملخصات، في محاولة مني لجمع سحب المعرفة المتفرقة في سحابة واحدة لعلّها تمطر على رأسي.
أسست نظام يقلل من انتقال الميكروبات من حولي .. نعم لازلت أحتاط من كورونا وأبقي مسافة مترين بيني وبين الأشخاص وأرتدي الكمامة ولا أتهاون في غسل يديّ أو استخدام المعقم.. يصف جميل الرويلي شدة الانتباه هذه بتلوث التخصص والاثر الذي تتركه الدراسة والتعمّق بأي تخصص على الفرد، فالمبرمج يخاف من الاختراقات ويحتاط منها بنفس احتياطي من الميكروبات! وأرى أنا المبرمج موسوس بنفس القدر الذي يراني به من وسوسه، وهذا طبيعي جداً.
لم أمشِ كما اعتدت في العشرة الأيام الماضية.. أقصى ما وصلته ألفين خطوة وأقلها 447 خطوة! احتاج المشي كاحتياجي للماء.. كلما زاد مستوى التشتت وانعدم تركيزي كلما كان جهدي في المشي معدوم. أجد الصفاء الذهني والهدوء والتفكير الواضح وأشعر بالوقت ومروره إذا التزمت به .. سأحاول أن أحسّن علاقتي معه.
سأحاول الالتزام بتدوينة كل شهر ولا أملك أي فكرة عن نوعية الأفكار التي سترافقني خلال هذه الفترة.. لنرى كيف سيكون الأمر.
كونوا بخير.



اترك رداً على Aeshah إلغاء الرد