مراجعة رواية: بنت الرسول رقية في الحبشة – سلطان الموسى

هذه الرواية طُرحت منذ عدة أيام، في وقت يناسب تماماً الموضوع الذي تناقشه ألا وهو الهجرة. وفكرة الهجرة كنت قد تأملت بها كثيراً وتحدثت عنها في حسابي على منصة أكس، وقلت أني أعتقد أنها سنة من السنن النبوية المهجورة. فالهجرة ليست بمعناها الحرفي في الترك والتخلي، فالانتقال والتغيير والتطور ليس مكانياً فحسب بالتنقل من مكان لآخر، بل الهجرة قد تكون شخصية وروحية وفكرية ومشاعرية إلى أن تصل للحظة التي تهجر بها الجسد الذي يحوي روحك، فتبقى معك بكل ما وصلت إليه من معاني في الآخرة.

هذه الرواية من تأليف سلطان الموسى ونشر مركز الأدب العربي للنشر والتوزيع، مكونة من 233 صفحة، ومن فصلين. تحكي قصة هجرة السيدة رقية رضي الله عنها إلى الحبشة. قرأتها في جلسة واحدة، فهي رواية لغتها سهلة القراءة ومفهومة وواضحة جداً. الرواية برائيي تناسب المبتدئين بالقراءة واليافعين، كمدخل لهم في قراءة السيرة النبوية وقصص الصحابة والتعرف على أهمية وضرورة التمسك بالمبادئ والأخلاق التي بعث الرسول عليه الصلاة والسلام ليتممها. وهذه المراجعة مثل كل المراجعات التي أكتبها بدون أي حرق لأحداث الرواية.

من خلال تتبع الكاتب لمجريات أحداث الهجرة طوال الرواية، ستقف على معاني كثيرة مثل الإيثار والمؤازرة، احترام وتقدير النساء، التوكل على الله ومناجاته، الإيمان واليقين به واللجوء إليه، ضرورة السير في الأرض وهي ليست منحصرة على السفر كسفر وتنقل، بل بضرورة السعي والحركة وعدم الركون للكسل! تتبع الإشارات الآلهية التي يرسلها الله لنا سواء بالرؤى أو الأحلام، من الأشخاص الذين نصادفهم في خضمّ ما نعيش، في مخلوقاته الحيّة. يقال دائماً الرفيق قبل الطريق.. فمهما كان الطريق وعراً عسيراً غير معبداً، إن كان بصحبتك الرفيق الذي يشد به الظهر، سيسهل كل طريق وإن كان معلّقا بين جبلين. قوّة الحواس والأرواح والقلوب والمقصد وقوة الصبر.

الرواية متوفرة بنسخة الكترونية بإمكانكم شرائها من الرابط المرفق (ليس إعلانا) تقييمي لها 3 من 5. الروايات المبنية على أحداث التاريخية، يصعب تطويع أحداثها وشخصياتها وكتابة قصة أو حبكة درامية منها، وسلطان كان حذر جداً في الكتابة وفي توظيف ما وصلنا عن الهجرة من أخبار وحكايات وأحداث موثقة في الرواية. ولحساسية الموضوع دينيا فالمساحة التي تركت للخيال الروائي، كانت محدودة في الحوارات بين الشخصيات ووصف الأماكن والأشخاص. من الصعب على الرجال الكتابة على لسان امرأة والعكس كذلك، فكيف بقصة تروي من وجهة نظر امرأة أحداث الهجرة! رغم الاجتهاد الكبير في الكتابة، إلا أنه لم يستطع إخفاء صوته الخاص. وفي أماكن كثيرة يستطيع القارئ أن يلتقط أن هذا النص لم يرو بصوت وحسّ امرأة، وهذا الأمر رغم أنّه مفهوم، إلّا أنه بات يزعجني كلما تقدمت في القراءة لأنني في فقرات كثيرة قلت: النساء لا يصفن ولا يتحدثن هكذا.

الطريقة التي أُظهرت بها الدعوة للإسلام بالحبشة، شعرت أنها تشبه طريقة المبشرين المسيحيين، وظهرت ركيكة وضعيفة. رغم محاولات إظهار قصة عيسى عليه السلام في القران الكريم للحبشيين وذكرهم لظهور نبينا محمد علية أفضل الصلاة وأتم التسليم في الإنجيل، إلا أنه يوجد شيء مفقود بالنص! أعزيه لقلة ما ورد من تفاصيل موثقة عن هذه الهجرة.

مثلما قلت الرواية تلائم اليافعين والمبتدئين بالقراءة في السنة النبوية، فهي مشجعة وجاذبة لهذه الفئة كثيراً. والطريقة في تناول أحداث الهجرة روائياً على لسان إحدى بطلاتها، شكل جديد في الكتابة الدينية، ومحفز للقراءة والاطلاع. ذكر سلطان جملة على لسان السيدة رقية جعلتني دون تفكير أزيل علامة كاملة من تقييم الرواية وهي تروي وصولها للحبشة وقالت تصف أرضها: ” فيها دفء لا يشبه دفء الحجاز، بل دفء الأمومة!” بالنسبة لي لم تكن موفقاً بكتابة هذه الجملة، هذا نوع من الخيال الروائي الذي لا ضرورة لذكره، لكن لسوء حظك أن ابنة الحجاز التي ترُد لها روحها بها، قرأت هذا السطر ووقفت عنده طويلاً! فحرارة الترحيب وحسن الضيافة التي وجدوها في الحبشة هي لأن ملكهم النجاشي عادل لا يظلم عنده أحد، أو كما قيل لهم: “السلام هنا موهوبٌ لمن أحسن السكنى”. من الجميل إظهار بوادر الارتياح لدى المهاجرين وتكيّفهم وتأقلمهم بالمكان الجديد، لكن ليس بهذه الطريقة المجحفة للوطن الذي في كل لحظة كانت قلوبهم تتوق له، وكانت تتحاشى التفكير به وبعائلتها حتى تصمد على هذا الفراق هي ومن هاجر معها.

الهجرة هي ولادة جديدة.. والولادة وإن كانت سهلة وميسرة، إلا أن طريقها مرهق مليء بالتعب والألم والمشقة. وهذه الرواية مليئة بكل المعاني التي تجعلك تنفض عنك كل ما يعيقك في طريقك للوصول لنفسك. لذلك أوصي بقراءتها إن كنت تود أن تنعش ذاكرتك بهذه القصة وإن كنت تريد إحياء وتجديد كل هذه المعاني في روحك وقلبك.

أختم بجملة أعجبتني للغاية عن الهجرة: “هكذا ينهي الله رحلة الهاربين.. لا بالمباهاة بل بالسكينة”.


اكتشاف المزيد من عائشة على القمر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق

اكتشاف المزيد من عائشة على القمر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على تنبيه بكل تدوينة جديدة فور نشرها على بريدك!

مواصلة القراءة