أخر قراءاتي لهذا العام كانت من نصيب كتاب السيرة الذاتية (خيارات) للممثلة والمخرجة والكاتبة النرويجية ليڤ أولمن والذي كتبته في عام 1984. من ترجمة أسامة منزلجي ونشر دار المدى وطبع في عام 2024. يتكون من ١٨١ صفحة موزعة على خمسة فصول كالتالي: (أتغير، خيارات، أشباح، الفراق، مد وجزر).
حين رأيت أنّ أول فصل منه معنون بأتغير، وهو عنوان السيرة الأولى التي كتبتها والتي لحسن الحظ قرأتها ثلاث مرات وهي قريبة مني بشكل لا أستطيع فهمه. خطر لي أن أكتب مراجعة مزدوجة للكتابين معاً! بما أن الثاني يبدأ بما انتهى به الأول. وهذا شيء أفعله للمرة الأولى ولنرى كيف سينتهي الأمر.
كتاب أتغيّر كتبته في عام 1976م وترجمه كذلك أسامة منزلجي ونشرته دار المدى في عام 2007 ويتكون من 316 صفحة وست فصول: (أتغيّر، النرويج، ساكنو الجزر، تلألأ أيّها النجم الصغير، أقنعة، الخاتمة).

كلا الكتابين كتبتهما توثّق به حياتها وطفولتها وتنظر إليها من خلال عملها وعلاقات الحب التي عاشتها بعد انتهائها! وكأن حب الشريك هو مفتاحها لاكتشاف نفسها ومعرفتها. والشخصيات التي تلعبها أو تلبسها ساعدتها في الوصول للرداء الحقيقي الذي يوجد عليها ولا تعرفه.
إذا كنت سمعت بالمخرج السويدي إنغمار بيرغمان فحتماً ستعرف ليڤ التي كانت بطلة لأهم أفلامه مثل: Persona وScenes from a Marriage وغيرها من الأفلام المهمة في السبعينات الميلادية. وهو الذي عاشت معه خمس سنوات وأنجبت منه ابنتها لين أولمن.

ما يميّز كتاب أتغيّر أنّها عرّجت على حياتها وأحداثها منذ ولادتها، نشأتها بدايتها بالعمل في المسرح والأفلام. ومن ثم من خلال شخصيات بعض الأفلام التي مثّلتها وكأنها تراقب نموّها وإدراكها وتغيّر أفكارها من خلال عملها. من أكثر كتب المذكرات والسير الشخصية الصادقة التي قرأتها، كتبت ليڤ بشكل بسيط وسلس، كتابة حقيقية وواضحة، شفافة غير مجمّلة، شاركت أحداث حياتها وقرارتها ومخاوفها دون حذر أو حرج أو خجل. كتبت كثيراً عن علاقتها ببيرغمان وابنتهما لين، وعلاقاتها العاطفيّة. والأهم كيف أنّ كل هذا النجاح والشهرة لم تعم روح الإنسان الذي بداخلها.
تستمر ليڤ من خلال كتاب خيارات والذي كتبته وهي في بداية الأربعينات من عمرها في البحث عن معنى الحياة. تستمر في طرح الأسئلة ليس فقط حول الشخصيات التي ترتديها، بل حول نفسها. بدايتها في العمل كأول امرأة تكون سفيرة للنوايا الحسنة ورحلاتها في أفريقيا وبنغلاديش وكمبوديا وغيرها من الدول. والمواقف التي تحدث لها مع اللاجئين والتي ساعدتها في مواجهة نفسها، وتكشّفها أمامها وفتح أسئلة أكبر أمامها عنوانها الرئيسي: أنا لست ممثلة فقط! أنا إنسان ولي غاية في هذه الحياة. ليڤ إنسانة مرهفة الحسّ، عاطفيّة، مخلصة بأداء عملها، دقيقة، وتحبّ الحب لأجل الحب نفسه ويبدو هذا واضحاً من خلال كلا الكتابين.

في الأول كانت تتحدث عن أثر بيرغمان رغم فارق العمر بينها عليها، ثقته بها وبموهبتها أثناء الإخراج وتوفير مساحة كاملة لتجسيد الشخصية كما تشعر بها. وفي الثاني كانت تتحدث عن رجل أسمته قابيل، عرفته من خلال حوار أجراه معها بعد أحد أعمالها ترددت في إجراءه لأنه ليس لديهم أي أسئلة جديدة سوى عن علاقتها ببيرغمان والتي انتهت رغم بقاء صداقتهما.
وجدت أنّ علاقتها ببيرغمان ساعدتها في حب نفسها ومعرفتها كإنسان وفنان والثقة بها. والثانية والتي وأنا أقرأ كنت أرى مقدار الاعتماد العاطفي الذي يثقلها به قابيل وكنت أقول أنقذي نفسك.. إنه يتغذى عليك ويشفط روحك ويكبلك ويوهمك بالحب وأنكِ من تحتاجينه بينما العكس هو ما يحدث.. هذه العلاقة علّمتها قيمة نفسها لديها. والمضحك أنه حين قالت لها ابنتها لين والتي كانت تبلغ ستة عشر عام ستحزنين يا أمي وتشعرين بالوحشة إن ذهبت! قالت لا بأس سأحب مرةً أخرى.. وفعلت! وكم أحببت علاقتها مع ابنتها لين! ذكّرتني بعض الشيء بعلاقتي مع أمي.. رغم أنّ لين طفلة إلا أنها لم تتعامل معها كطفلة لا تفهم شيء، بل تعاملت معها كروح إنسان مستقل ناضج له رأيه الخاص .. وفرّت لها المساحة لتنمو وتصبح هي لين. ولا عجب في أن تصبح ابنتها كاتبة!

الكثير من الحديث في كلا الكتابين عن أثر الطفولة والنشأة بشكل عام، وعن الطفلة ليڤ البريئة الضائعة التي تبحث عنها باستمرار وتحاول أن تحييها رغم كل شيء. روح تلك الطفلة وكيف كانت ترى الحياة وتفهمها وتتعامل معها بكل خفّة وانفتاح للجديد والاكتشاف والتجربة بنقاء وبراءة لم تلوّثها الحياة أو البشر. براءة الطفولة والتي حدّثها أحد النحاتين أن الأطفال بإمكانهم أن يرسمون على الصحون الصينية بخفة وإتقان لأنهم لم يفقدون برائتهم أما البالغين فيستحيل عليهم الأمر! وكأن الإبداع يتطلب روح نقيّة وصافية وصادقة ليتشكلّ لك شيء ليس له مثيل! وهي كذلك حين تقرأ شخصياتها تحاول أن تقرأ وتبحث بعين وروح الطفل الذي يبحث ويسأل ويحاول أن يعرف ويفهم إلى أن تنجح بتجسيد شخصياتها بشكل حقيقي. وكأنها تحيا من خلالها لساعات، ثم تنزع هذا الرداء لتعود لنفسها التي أحياناً تعرفها وأحياناً تجهلها تماماً.
كلا الكتابين تشكّل رحلة عذبة في مذكرات إنسانة تطلعك على نفسها بكل جمالها وقبحها، وعمقها وسطحيتها، سذاجتها وذكائها، قوتها وضعفها، بهدوئها وغضبها، شجاعتها وخوفها، حنانها وقسوتها. أتقاطع مع روح ليڤ الطفلة بالكثير من الأسئلة والبحث.. عن الحياة والطفولة وبرائتها الضائعة والتي تطاردني منذ عامين بشكل لا استطيع الانفكاك عنه. لا أريد أن اتحدث عنها أكثر حتى لا أحرق دهشة القراءة لها واكتشافها. سأشارك بعض الاقتباسات من الكتابين والتي بالطبع قرأتها وأنا أخطط بالقلم على كثير من أفكارها وتأملاتها. تكتب ليڤ بتلقائية وانسيابية ملفتة ورائعة وهذا السهل الممتنع الواضح من الكتابة يعجز عنه الكثير. فهي تتنقل من مشاهد واقعية حاليّة في حياتها إلى مشاهد تصوّرها أو تؤديها على المسرح إلى ذكريات طفولتها وتصنع تجربة قراءة بعين مخرج يعرف كيف سينتهي المشهد وممثل يعرف ماذا يفعل وكاتب يعرف ماذا يكتب! وهذه هي ذروة الفن!

سأشارك خمس اقتباسات من كل كتاب
أتغيّر:
- “إنني أحيا باستمرار في حال من التغيُّر. على الرغم من أني في أعماقي “فتاة صغيرة ترفض أن تموت”. إننا معشر الأحياء في هذه اللحظة ما نحن إلا جزء متناهي الصغر من شيء وُجد إلى الأبد وسيظل مستمراً حين تُصبح الأرض أثراً بعد عين.”
- “ما التغيّر؟ أهو شيء داخلي؟ أم أنه شيء أدركه عند الآخرين؟
لعلّه دافعٌ واع أقوى، وإذا كان كذلك، فإلى أين يقود؟
لم تراني أكافح؟
ألكي أصبح أفضل كائن بشري ممكن؟ أم أفضل فنانة؟
ما الذي أريده حقاً الآن فعله أفعله بما حققته؟
ما الذي سأفعله بالتغيّر؟
ربما ليس من الأهميةِ بمكان أن أعرف.
ربما ليس من الأهميةِ بمكان أن أصل.”
- ” أتمنى أن أجد اثنين من الناس ينموان معاً، جنباً إلى جنب وكل منهما يجلب الفرح للآخر، بدون أن يكون على أحدهما أن يُسحق لكي يبقى الآخر قوياً. لعل النضج يعني أيضاً أن ندع الآخرين يحققون ذواتهم؛ أن أسمح لنفسي أن أكون كما أنا.”
- ” أدرك أني رُبّيت لكي أكون كما يُريد لي الآخرون، وهكذا يحبونني ولا يأبهون لوجودي. ذلك الشخص لم يكن أنا.”
- “ كنا متشابهين كثيرا. فما لم يكن يعرفه عن نفسه بدأ يراه في-كما في مرآة- على الرغم من كوني امرأة وأصغر سنا منه بكثير وربما اختلف عنه في أوجه لا يعرفها. لقد رأى فيّ حساسيته المفرطة وغضبه الخاص، وحين انعكس هذا عائدا اليه، بدأ يشفى. ولكني وكالمرآة كنت دائماً مستعدة لتذكيره. أردت أن أكون له، ولو أنه أرادني أن أتغير لفعلت أي شيء. ربما من الممكن أن نتغير معا- أن نتصور معا. ولكن إذا كانت المرآة شديدة النقاء، فإن المرء لن يرى فقط ذاته على حقيقتها، بل سيضطر أيضا أن يترك ذلك الشخص الآخر الذي سيظل دائما يذكره بما لم يعد يرغب في أن يكونه.“
خيارات:
- “حتى بعد أن نجوت، لم تكن لدي الشجاعة لصنع خيارات. توفرت لي حياة مع خيارات لكنني في الغالب عشتُ كأن تلك الخيارات غير متوفرة. والنتيجة المُحزنة لعدم ممارسة صنع خياراتي هو أنّ ذكرياتي عن نفسي ليست عن المرأة التي أعتقد أنني هي.”
- “غالباّ ما تمنيت لو أبدأ من جديد، وأعود طفلة، وأحيي مُنْ كنتُ عليه حينئذٍ وما أردتُ أن أكون. غالباً ما تمنيت أن أكتشف من جديد في داخلي الفتاة البريئة والممتلئة بالمعرفة قبل أن يعلّموني حقائق الحياة.”
- “أريد أن أكتشف معنى الحياة بالنسبة إلينا جميعاً، وكيف نستغلها، وما إذا كان الحصول عليها أمراً ممتعاً، وما الهدف من وجودنا، وما فائدة الأصدقاء، ولم هناك أناس يُعانون الوحدة.
أريد أن أكتشف الشعور بالحياة عند بدايتها.
أريد أن أكتشف الشعور بالحياة وهي تبلغ نهايتها المحتومة.
أريد أن أكتشف لأننا نريد أن نُكتَشَف.”
- “النباتات وأعداد هائلة من المخلوقات في حالة صراع دائم من أجل البقاء، في علاقة حميمة مع الفصول الجافة والمُمطرة.”
- “الجمل غير قابل للترويض بشكل كامل، وهو ليس شديد الذكاء. إنه حيوان صعب المراس ويحتاج إلى الكثير من الانتباه، والذين يتعاملون مع أحدها يجب أن يكون لديهم موقف خاص جداً منها. ولكن، بالنسبة إلى البدو، الجَمَل هو كل شيء. بين الجمل والإنسان هناك تكافل، يساعد أحدهما الآخر بالتبادلُ”.
أمّا الاقتباس المفضّل لديّ والذي شعرت أنّه كتب لي قبل أن أولد بسنوات كثيرة فهو هذا:
“يسأل قابيل: إذاً ماذا تريدين من الحياة؟
: ربما أريد أن أفهم الهدف منها، أو ربما أن أتحرّر من أشباح الماضي، أو أنّ أكون في حالة حركة دائمة. وربما، يا قابيل أنا شجرة سنديان اسكندنافيّة”
شجرة السنديان الحجازية والتي لم يحدث بعد أن نمت بذورها في هذه الجبال.. تشكرك كثيراً يا ليڤ.




أضف تعليق