مراجعة رواية غرفة الأم.. مرآتك إن غابت أمك!

معظم ما أقرأه في الفترة الأخيرة يصبُّ في أدب الفقد والرثاء، وحتى حين حاولت أن أختار عشوائياً كتاب من الكتب التي اقتنيتها من معرض الرياض للكتاب السابق؛ وجدته يتحدث عن الفقد والحداد! وهذا توجيه أقبل به من الكتب، لأنه يجمعك بما تحتاج أن تسمعه أو تعرفه أو تواجهه من مشاعر وحقائق وألام. أو ما تحتاجه لتكون ثابتاً حين يترنّح من حولك ويتكئون عليك.

بعد غياب طويل تعود الكاتبة والروائية ليلى الجهني برواية غرفة الأم. تُعدّ نوڤيلا أي رواية قصيرة، تتكون من 76 صفحة ومن نشر دار أثر.

هذا هو السؤال الذي وضعته ليلى في الغلاف الخلفي للكتاب، على لسان “غادة” التي تجري جميع أحداث هذه القصة بروايتها. بعد كل وفاة وبعد مضيّ بعضاً من الوقت نجد أنفسنا نقف بمواجهة ما تركه المفقود لنا من حاجيّات عاجزين عن التصرف بها، أو المرور من جانبها، لمسها، أو تغيير أي شيء فيها.. تماماً كما وصفت جوان ديديون الأمر في كتابها عام التفكير السحري: ” لو تخلصت من ممتلكات جون.. فأنه لن يقدر على العودة أبداً !”

بطلة هذه القصة تجد نفسها مجبرة على إفراغ منزل أمها وغرفتها على وجه التحديد بعد مرور أسبوعين على وفاتها، وخلال تنقلها من رف إلى أخر ومن خزانة إلى أخرى تتذكر عائلتها، طفولتها، لعبهم، إلى أن حدث أمر مفاجئ هزّ أركان هذه العائلة، وبدأ بها جرح لم يقو أحد على برأه. فبدأ الانهيار التدريجي لهم والذي وضع كل فرد من أفرادها في مكان مختلف، جغرافيّاً ونفسياً ومشاعرياً وروحياً.

هذه الرواية تضعك في مواجهة المواقف التي يتخذها الإنسان تجاه ما يحدث في حياته. البعض يقرر التجنّب والهجر ظاناً أنّ نجاته ستكون في المشي في اتجاه مختلف بينما سيظل ما يهرب منه ملاحقاً له طوال حياته. والبعض يقرر الاستسلام ظاناً أنّ نجاته ستكون في الحزن والبكاء على الأطلال إلى أن يموت حيّاً. والبعض يقرر أن يعيش كما أنه لو لم يحدث شيء فيحصل له انفصال مشاعري وذهني مغيّباً في عالم آخر وكأن في الإنكار نجاته. والبعض يقرر المواجهة وتحمّل مسؤولية كل ما يمر به لأجل أن يفهم ويدرك وينجو ويعيش.

أحببت التركيز والتكثيف الذي كتبت به هذه القصة فهي خالية من الحشو والإسهاب غير المبرر، بل أني وددت في أماكن كثيرة أن أعرف أكثر عن رأي كل شخصية بالحدث الذي غيّر حياتهم على ألسنتهم ليس فقط على لسان غادة التي كانت تروي ما مرّ به أفراد عائلتها.

أحببت بروز مصطلحات أهل المدينة المنورة في النصّ (حزنانة، أسيانة) وغيرها من الكلمات المعبّرة والفصحى المستخدمة بشكل شائع وعفوي في اللهجة العاميّة. أحببت توظيفها لتجربة صلاة العيد بالمسجد النبوي، جبال المدينة الشاهقة.

أحببت الصدق الذي كتبت به هذه الرواية، لا أحد يجرؤ على الكتابة عن الحزن والأسى والموت وما الذي يفعله في كل عائلة؟ الكل يضع مشاعره وألآمه تحت السجّاد ويمشي فوقه وهو يظن أنه تجاوز الأمر، وأنه حدث وانتهى!

ناسياً أن الرسول عاش أحزاناً متوالية جعلته يسمي ذلك العام بعام الحزن! ولم يختار أن يتجاهلها أو ينساها، بل حتى حين يحدث معه ما يحفز ذاكرته يوفي لهذه الذكرى الطيبة. مثل نهيه لابنته عن افتداء زوجها بعقد خديجة رضي الله عنها والتفريط به، أو في وضعه لردائه ليجلس عليه صويحبات خديجة.. لم يتهرب عليه الصلاة والسلام من حزنه وفقده، بل عاش أساه في لحظته ثم أحيا ذكراها في تفاصيل حياته كأنها لم تغيب.

ليلى في غرفة الأم تنكأ جروح لم تشفَ ولم تلتئم، تتكلم عن المسكوت عنه وعن الغصات والعبرات التي تقف في حنجرة كل مكلوم. ليلى أعادت لي ذكريات عشتها وأنا في السادسة والعشرين من عمري بعد أن وقفت أمام غرفتي وقلت: “لو مت فجأة كيف يتصرفون بكل هذه الأغراض؟” هذا السؤال الذي سألته لنفسي جعلني أبدأ رحلة في التخفيف لأهداف كثيرة منها ترتيب الذهن، المكان، توفير فسحة للأشياء الجديدة، والهاجس الأكبر لا أود ترك كل هذا بعدي وتوريط عائلتي بهذا العبء! ولا زلت حتى هذه اللحظة اتخفف مادياً وأنا حريصة أن أترك لحظات وذكريات ومشاعر محفورة في ذاكرة كل من عرفت، متأملةً وجاهدة أن تكون سعيدة ومؤنسة.. رغم كل الأسى.

نعم، أن كنت قويّ القلب ومتماسك سترى الحزن وتبصره من جوانب لم تكن لتدرك أنّه قد يكون لها هذا الأثر. وإن كنت متوجس ومرتاب من فكرة مواجهة هذه الغرفة سيقوى قلبك وستفعل إن كنت تقف أمامها في هذه اللحظة أو بعد عمرٍ طويل. تقييمي للرواية 5 نجوم مع شكراً كبيرة وكثيرة لليلى.


اكتشاف المزيد من عائشة على القمر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

3 ردود على “مراجعة رواية غرفة الأم.. مرآتك إن غابت أمك!”

  1. صورة أفاتار codenbottle

    أعجبني ربطك الحزن بالسيرة النبوية … بالفعل درسنا في السير عام الحزن … لكن لا أتذكر أن أحد تطرق لهذا الموضوع بنفس طريقة طرحك!
    لم ينكر الرسول حزنة أو يخفيه أو يتجاهله … بل واجهه وأقر به وعاشه بكل مراحله … حتى سمى ذلك العام “بعام” الحزن … دلالة على طول المدة …!
    إضاءة لطيفة
    نسأل الله لكم أعواما مليئة بالسعادة والفرح والسرور…

    Liked by 2 people

    1. صورة أفاتار Aeshah
      Aeshah

      أعتقد أنّ فيه ضرورة على ربط الإسلام والسيرة النبوية بحياتنا الروبوتية اليوم..
      لاحظت الأغلب يطلب من المحزونين تجاوز الحزن إما بحجج واهية مثل العزاء ٣ أيام والميت يتعذب ببكائكم وكل هذه يقصد بها التصبير والنهوض من جديد بينما الأساس هو عيش اللحظة بكل مشاعرها ليسهل على النفس التأقلم والتكيف لا كبت الألم أو الغرق فيه..
      من نحن لنترفع عن بشريتنا ونرفض عيش المشاعر المؤلمة والسيئة ونطلب عيش السعادة والإيجابية؟
      التوازن الشعوري مطلوب ومهم
      أسعدني ردك وملاحظتك 🌹
      اللهم أجمعين يارب 🙏🏻
      وأهلاً بكِ ♥️

      Liked by 1 person

  2. صورة أفاتار ساعة شهرية | غروب ديسمبر ١٩٤٨

    […] « مراجعة رواية غرفة الأم.. مرآتك إن غابت أمك »: ”أحببت الصدق الذي كتبت به هذه الرواية، لا أحد يجرؤ […]

    إعجاب

أضف تعليق

اكتشاف المزيد من عائشة على القمر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على تنبيه بكل تدوينة جديدة فور نشرها على بريدك!

مواصلة القراءة