كالطقس لا يمكن التنبؤ به
Lida Ziruffo

لا أعرف كيف أصف حالي الفترة الأخيرة، بخير أو على ما يرام أو لست بخير. لا أملك كلمة تصفه فعليّاً ما أعلمه أنّه مثل الطقس لا يمكن التنبؤ به قد تكون السماء صافية وتمتلئ بالغيوم فجأة أو تكون تمطر وتصفى فجأة. لم أمش منذ مدة طويلة كما اعتدت أن أمشي وهذا يعني أني لست بخير.. أكثر أيامي نشاطاً لم يتجاوز عدد خطواتي به ثلاث آلاف خطوة. مع وجود يوم استثنائي وصلت به خطواتي لسبعة آلاف خطوة لكن ما كان يحترق بي حينها أدّى إلى نفاد قواي في الأيام التي بعدها.

يخبرني ويطلب منّي أن أريح رأسي وبالي، ألّا أقلق بشأن أي أمر حتى شأني، وأن أدع كل ما يقلقني له ليقلقه! يقول لي أنّ أيامي وحالي وأحوالي مقدّرة وكتبت لي منذ اليوم الذي نفخت به الروح بي، يخبرني أن الله لطيف بي أكثر من لطفي بي وأكثر من لطف أمي عليّ فلماذا أحمل هذه الهموم في عينيّ؟ لكن ماذا أفعل بكل الوعود التي لم أستطع إيفائها تجاه نفسي؟ ماذا أفعل بكل اللحظات التي احترقت بها حزناً وغضباً وقلت لنفسي: إذا كبرت سأفعل هذا وذاك؛ وها أنا كبرت ولم أفعل كل ما وعدت نفسي به. هل يعقل أني لا زلت لم أكبر؟ أني منذ ذلك الوقت تائهة في ثقب أسود وحين عدت إليّ وجدت أنّ كل شيء تغيّر ولا زلتُ أنا كما أنا.. من أنا على أية حال؟!

تفاجأت منذ يومين بخبر وفاة شابة أعرفها، تكبرني بعامين أو ثلاثة لا أعلم بالتحديد. ما أعلمه أنّي تجمدت أمام خبر موتها رغم أنها ليست مقرّبة مني، فهي ليست زميلة درست أو عملت معها مدة طويلة، ليست صديقة اعتدت على الحديث طويلاً معها. جمعتني الحياة بها ببيت أحد أقربائي أثناء طفولتي، رأيتها عندهم كثيراً تبادلنا الزيارات كعائلة بعد ذلك من فترة للثانية.. هذه هي طبيعة علاقتي بها من الجيران الذين تلتقي بهم تسلم عليهم ويذهب بعدها كلا منا في شأنه. لماذا أشعر بهذا الثقل والحزن بهذه الشدّة في قلبي؟ لماذا انهمرت دموعي عليها وأنا أعمل في منتصف الظهيرة بالأمس وامتلأت عيناي بالدموع ولم أستطع رؤية أطباق البكتيريا بين يديّ؟ أعلم أنّ للموت هيبة، ورهبة، وثقل ضيف غير مرغوب فيه يتجدد مع كل خبر وفاة أسمعه. لكن لا أعلم لماذا أثّر بي موتها لهذا الحد.. الأني لا زلت أراها الطفلة التي عرفت، ولم تكبر في ذاكرتي ولم تعبر عليها السنوات.. تماماً كما لم أكبر أنا.. لا أعلم حقاً.

أساعد منذ مدة طالبة في إجراء تجاربها المعملية وأجاوبها عن اسئلتها بقدر ما أعرف، وقفت أمامي بالأمس بعد أن أنهيت حفلة بكائي وقالت بيأس وعفوية شديدة: ” ما أعرف كيف أناديك؟ مرة أناديك أستاذة ومرة أناديك دكتورة! أبعرف ايش اسمك؟” ضحكت وقلت: عائشة اسمي! أزلت الاستفهام من على رأسها ووضعته على رأسي وصرت أفكر طويلاً بجملة (ما أعرف كيف أناديك).. كيف ستعرفين بماذا تناديني إذا كنت أنا لا أعرف كيف أناديني؟ ولا أعرف أعيش الآن بأيّ حياة؟ ولا أعرف ماهو اسمي في هذه اللحظة فأي اسم أنتِ تريدين؟

ربما لهذا اسمي عائشة .. من الإصرار على الحياة، من الرغبة في ترك أثر حيّ وممتد بعدي، من السهولة في التأقلم.. كنعناع ينمو ويمد جذوره ويعيش في أي تربة يزرع بها.

لم أستطع تجاوز اليومين الماضية والنهوض اليوم لأكمل تجارب الأمس إلا حين كتبت. ربما الآن أقول أن سمائي أصبحت صافية.. ومع هذا أبقى كالطقس لا يمكن التنبؤ به.


اكتشاف المزيد من عائشة على القمر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رد واحد على “كالطقس لا يمكن التنبؤ به”

  1. […] غالبًا ما يشعر الكتّاب أنهم محرومون من السعادة، لذا أحرص (وأتمنى منك فعل المثل) على إحاطة نفسي بأشخاص يُشبهونني عقليةً.. ومعاناة. […]

    Liked by 1 person

اترك رداً على كيف سأنميّ نشرتي البريدية إلى 1000 مشترك خلال 3 أشهر فحسب؟ – مدونة م.طارق الموصللي إلغاء الرد

اكتشاف المزيد من عائشة على القمر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على تنبيه بكل تدوينة جديدة فور نشرها على بريدك!

مواصلة القراءة