التصنيفات
غير مصنف

أوكتاف

اعتدت أن أُشغِل سمعي أثناء أداء أي مهمة رتيبة وطويلة بالاستماع لقوائم موسيقية مختلفة، فهذا يساعدني على تسلية نفسي وتأخير الملل والإرهاق بعض الشيء. كلما زاد معدّل الملل والرغبة بالهرب كل ما كانت القائمة مائلة للصخب والإزعاج لتستحث أكبر قدر من الأدرينالين، وكلما زاد انسجامي مع ما أعمل كانت الموسيقى أكثر هدوءاً. أحياناً اختارها بنفسي وأحياناً أترك لليوتيوب والساوند كلاود مهمة اختيارها. أعتقد أنّ خوارزميتهما باتت تفهم ذوقي ومزاجي أكثر مني! إلى حدّ أننّي أصبحت الفترة الأخيرة أوقِف عملي وأترك ما بيديّ، فقط لأضغط زر إعجاب لأغنية ما أو لأضغط زر التكرار وهذا شرف لا تناله أيّ أغنية بسهولة.

عادةً التكرار يكون لأغنية ينجح لحنها في لمس أو إيصال شعور ما بداخلي، يتعلق الأثر الذي تتركه الأغنية بالنغمة والريثم أكثر من الكلمة، أرى أحياناً في هذه اللحظات كيف تقفز الحروف الموسيقية على أوتار عقلي. بينما تنجح نبرة صوت المؤدي بإقصاء الأغنية منذ بدايتها، حتى لو كان لحنها فائق الجمال، وهذا السبب الذي يجعلني لا أسمع لمعظم الأصوات التي يسمعها من حولي. فأقرر حينها العودة لدروس البيانو لأتعلم المقاطع التي أحب تكرارها ربما بهذه الطريقة تتوقف عن الإلحاح على عقلي، حيث إن شعور عزف الموسيقى التي تحب لا يضاهيه أيُّ شعور يمكّنك من القبض على حالتك الشعورية وإحساسك بيديك.

ثمّ أتذكر حالة الحنق التي تصيبني حين أعزف، نتيجة لبطء حركة أصابعي في التنقّل والنقر على مفاتيحه فأتراجع عن الأمر. ثم أتذكر كيف نجحت بتعلم ثلاث معزوفات أحبها باستخدام طريقتي الغريبة في التعلّم، التي لو شاهدها أيّ مُعلّم موسيقيّ؛ لضرب برأسي على مفاتيحه من السول إلى الدو ذهاباً وإياباً لينسيني كل ما تعلّمت.

حاولت أختي أن تشرح لي، وبمجرّد ما تعقدّت المصطلحات بقولها لكلمة (أوكتاف).. التفت ونظرت إليها نظرة التائه في بحر العلم.. وطلبت منها أن تشرح مثلما تشرح الأستاذة، لتصدمني أنها لم تشرح شيء بعد! وأنّ ما قالته (أوكتاف) يعد مثل كلمة خلية في علم الأحياء! أي أننا في ألف باء الموسيقى يا عائشة! حسناً.. هذه الخلية (الأوكتاف) يعجز عقلي عن استيعاب وظيفتها، وقرر أن يدخلها في طور موت خلوي مبرمج.

فتابعت التعلّم بطريقة فيبي بوفيه التي تذكّرتها أثناء عزفي فقلت: كان معاها حق بغضبها على جوي حين ذهب لمعلم موسيقى ليتعلم! العجيب أن أختي لا زالت مندهشة كيف نجحت بالتقاط المقطوعة دون أيّ خطأ بهذه الطريقة المشوهة.. ههه ربما لأصابعي ذاكرة عازفٍ ما من حياة سابقة، وقد يكون هذا العازف هو من وضع أحرف السلم الموسيقي وأحاول أنا الآن إعادة اكتشافها بشكل عشوائي ومتخبط.

أعود للموسيقى التي جعلتني أترك الكتابة عن بكتيريا الليستيريا حينما بدأت كتابة هذه التدوينة قبل أسبوع، لتبدأ رحلة تأمل وتحديق لانهائية في السحابة البرتقالية، ربما أنجح في إمساك نغمة المقطوعة التي دفعتني لضغط زر الإعجاب والتكرار! لم انتبه من قبل للانتقالات المتعددة الموجودة باللحن لولا القفزات التي يحملها صوتها! ربما لأن الصوت مرن ونجح في جذبي للأغنية. “قابلني والأشواق في عينيه.. سلّم .. سلّم .. سلّم وخد إيدي في إيديه.. خد إيدي في إيديه” وقد تكون صورة الغلاف هي من حفّزت التكرار لأنها من أحد أفلامي المفضّلة من الفيلم الثاني لثلاثية Before sunrise.

يا إلهي على الرجفة التي يحملها صوتها! وكأنها لبست اللحن على أوتار حنجرتها وأصبح ممتلئاً بإحساسها العميق المرهف. تماهى إحساسها مع الموسيقى إلى حدّ أنّه في المقاطع الأخيرة من الكوبليه استطعت أن أرى الابتسامة في صوتها، وكأن كلّ خلية في حبالها الصوتية تُظهر موافقتها وتُصدِّق على الكلمات. القليل من الأغاني تنجح في تحفيز مخيلتي وذهني، لديّ عادة سيئة وهي تكرار الأغاني التي تعجبني إلى أن أشعر باكتفائي لحصولي على ما احتجت منها فأتركها.. يا لقسوة فعلي هذا الذي لم تتضح لي قسوته إلّا حين كتبته الآن! لحسن الحظ أنّ هذا الهجر لا يستمر فهو يشبه شعور التخمة، تقول أنّك لن تأكل هذه الوجبة مرةً أخرى.. وتفعل لأنه لا يمكنك ألّا تفعل.

أُكمل كتابة هذه التدوينة وأنا أستمع إلى العديد من المقطوعات الموسيقية التي لم أسمعها من قبل، لم أكرر أيّ منها، ضغطت زر الإعجاب على العديد منها، لأصنع قائمة جديدة تناسب نسختي الحاليّة. أعيش صباحاً خاملاً أحاول أن أنهي فيه العديد من المهام التي لا تتطلب حركة وجهداً بدنياً، بعد أن استيقظت بصعوبة فجراً وأنا أشعر بخدرٍ شديد في جسدي. ولأني الفترة الأخيرة أتّبع نصيحة روبي الذهبية حين قالت: (مشيت ورا إحساسي) واسأل نفسي بماذا تشعرين قبل كل فعل أو قول؟ وأخبرني إحساسي أن أعطي نفسي إجازة اليوم لأني لقيت السرير حبايبي وناسي.

هذه التدوينة ماهي إلّا محاولة نشر لحالة العبث التي تعصف في ذهني، مليئة بزوبعة من الأفكار غير المترابطة.. لعلّي أنجح في إيصال نقاطها، ليظهر لي من العدم أوكتاف حقيقي خالي من التشوه.

شكراً لقرائتكم لهذا العبث.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s